التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تركها أهلها فاغتصبوها !


إن مصير تونس و المسار الذي اختاره الساسة لها بعد انتفاضة 14 جانفي، و التي لا أسميها ثورة إلى حد الآن تجعلني كمواطن تونسي يهمني حال البلاد و العباد في حيرة من أمري أتساءل يوميا و بوتيرة متزايدة أضحت مقلقة حول ما ينتظرنا في هذا البلد المسكين. فبقدر ما أفتخر بكوني تونسيا، شابا من شباب ال 20 من ديسمبر 2010 حتى الثامن و العشرين من ذات الشهر في كل من سيدي بوزيد و منزل بوزيان حيث سقط أول شهداء العزة و الكرامة في تونس و أقصد طبعا محمد عماري و شوقي حيدري الذين كنت شاهدا على لحظة غدرهما من حرس بن علي، إلى حدود اعتصام القصبة 1 الذي خرج هو أيضا من منزل بوزيان سيرا على الأقدام باتجاه معقل خلفاء بن علي، أقول بقدر افتخاري و اعتزازي بانتمائي لهذا الجيل من الشباب اليقض المنتفض المتمرد و خاصة الواعي بما يهم الوطن و المجموعة الوطنية، بل و حتى ما يدور حولهما في سائر بقاع الأرض مما قد يهمنا أو لا يهمنا، بقدر ما أجدني حائرا حول مستقبل هذا الجيل الذي يبذو أن "الشياب" من الساسة قد ضاقوا ضرعا به و بمطالبه فأضحوا يتكلمون باسمه بينما لا يسمحون له بالتكلم عن نفسه. يقولون بكل صلافة :"ثورة الشباب المجيدة"، ثم يبرمجون ما يشاؤون و ما تملي عليهم ما اصطلحنا على تسميتها بالوطنية، و لا يعرف غيرهم معناها، بدون استشارة و لو بسيطة لهذا الشباب أو حتى تشريكه في تنفيذ ما خططوا له تحت مسمى المصلحة الوطنية.
و إذ ألفت الإنتباه للشباب و ما يهمه و خاصة عدم تشريكه فيما يهم البلاد و العباد، فلأني أعلم بما يعيشه هذا الشباب يوميا. فنحن جيل نشأنا على فكرة أن الشأن العام و السياسة أكبر من عقولنا و أن هناك من القوم من اصطفتهم الأقدار و ربما اختارتهم المشيئة الربانية ليكونوا قادة الشأن السياسي و مدبريه. و لعله كان مفهوما هذا التحييد و الإقصاء للشباب في عهد بن علي، إلا أنه الآن يبدو غير مبرر، بل حتى غير مفهوم و لا تفسير منطقيا له أصلا غير ما تربى عليه "الشياب" من الساسة أنفسهم من الدكتاتورية و اللهفة على الكراسي و المناصب بما حرموا منه في عهود الإستبداد الماضية.
إن أخوف ما يخيفني أن أرى في هذه الأيام و ما يليها صراعا على المناصب و السلطة من "الشياب" تحت مسميات الحرية و الديمقراطية بما قد يؤدي بالبلاد إلى مصائب تلوح في الأفق تباشيرها، بينما يهمش هذا الجيل الذي صنع هو الحرية لنفسه أولا كي يستنشقها و هو في عنفوانه فينشأ عليها و يطبق في السنوات الأولى من عمره الديمقراطية التي بدى بوضوح إتقانه لها أكثر من الساسة "الشياب"، فتنضج تجربته و تزداد عمقا حتى إذا ما شاب هذا الجيل وجدته حكيما عليما قادرا بحق أن يكون قائدا و معلما و منير درب للأجيال القادمة. إن ما يعيشه شباب الإنتفاضة من تهميش واضح و تجاهل واضح و اعتداء سافر على أحقيته بقيادة المرحلة أو على الأقل المشاركة الفعلية و الفعالة في رسم ملامحها و توجيه دفتها لهو الخطر الحقيقي على الثورة إذا كان هناك حقا ما يمكن تسميته بالثورة. و إن هذا الخطر هو ما أسميه الركوب على الثورة من الساسة "الشياب". صحيح أن هناك قوى ثورة مضادة تريد العودة بالبلاد إلى ما قبل الرابع عشر من جانفي للأسباب المعلومة، و لكن تصلف "الشياب" لهو أشد ضدية للثورة من هذه القوى. و هنا أسأل بكل براءة : ماذا علمنا هؤلاء الشياب غير المزايدات الفارغة و الصراع الشخيف على الكراسي و الإختلافات الإيديولوجية الهدامة؟
يقال أن كل إناء بما فيه ينضح، و أقول لقد نضحت آنية "الشياب" بما يكفينا نحن الشباب لألا ننتظر منهم الكثير، بل و أكثر من ذلك، لننتظر من عبقريتهم ما من شأنه "إدخال البلاد في حيط"، و إلى ذلك الحين فإني أبشر "الشياب" بثورة شباب جديدة، أو على الأقل بقطيعة كبيرة جدا حتى يتباكى "الشياب" على أعتابنا لنرضى بمشاركتهم أمور الدولة. و لكن حينها سنفكر بعمق شديد، و قد نشترط إقصاءهم للعودة.
مع كل احتراماتي لكبار السن من الساسة و اعتذاري لمن لا ينطبق عليه مقالي فإني أقول لكم : "اذكروا كلامي هذا، لأنكم ستقولون قالها".

كتب بتاريخ 24 ماي 2011 أي مائة يوم بالضبط بعد هروب بن علي، بعنون : الشياب من الساسة الراكبون الحقيقيون على الثورة.