التخطي إلى المحتوى الرئيسي

و الآن لا أهتم..


عندما كنت صغيرا كنت أفرح بالحرب لأني سأشاهد على التلفاز صورا مثيرة للطائرات و حاملات الطائرات و الأسلحة والجيوش..
عندما كنت صغيرا لا أذكر أني رأيت صورة واحدة لجثة مضرجة بالدماء أو متفحمة أو أنين جرحى أو بكاء ثكالى..
عندما كنت صغيرا لم يقل لي أحد من عدوي و من صديقي، و صادف أن عرفت بعض المعطيات من أترابي حتى بدأت أعي الوضع فنقمت فجأة و كدت أصبح إرهابيا.
عندما كنت صغيرا درسني أستاذ إسلامية سكير، و كان كل مرة يستشهد بالخمر عند الحديث عن الحرام، و أستاذة إسلامية تجمعية ارتعدت فرائصها يوم أجبتها عن سؤالها عن شهادة زور تتسبب في نتائج وخيمة بالقول إن اتهام القاعدة بالضلوع في 11 سبتمبر سيتسبب بكوارث في أفغانستان، فكادت ترتمي علي لأصمت قائلة : آش دخلنا في المواضيع هاذي، آش دخلنا.. ثم أردفت : مثلا، شهادة زور في حق امرأة عند زوجها فيطلقها.. فاحتقرت الأستاذة و الإسلامية و المعهد و النظام و احتقرت نفسي بينهم..
عندما كنت صغيرا كانت أمي تريدني أن أشاهد برنامج "جواز سفر" للحبيب الغريبي، و أذكر أن شيئا ما إنسانيا صادقا مسني في عمل ذلك الرجل..
عندما كنت صغيرا كنت أريد بناء بيت جميل تزقزق حوله العصافير أركن في مرآبه سيارتي تسكنه زوجتي الجميلة و كأننا في الجنة و نعيش في رفاه و بساطة في الآن نفسه.. و مازلت أحلم..
عندما كنت صغيرا كنت أستيقظ باكرا جداً كل يوم فأعمد إلى أوراق التصوير فأنشرها أمامي بيضاء، و ما هي إلا لحظات إلا تراها كلها مخضبة بتصوراتي عن الكرة الأرضية و خريطة العالم، متخيلا الحدود أرسمها و أعيد رسمها كل مرة كما أشاء..
تارة أرسم محيطات و تارة جبالا و تارة أنهارا.. لا معنى لكل ذلك لكني أحلم..
عندما كنت صغيرا كنت طيبا، و الآن أنا مسكين.. و إني مشفق على نفسي أيما إشفاق من الحياة و مسؤولياتها و الدنيا و همومها، و إن كنت لا أهتم..