التخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعترافاتي.. نحو النور دون خوض النار..

أعترف أني في فترة الانقلاب المصري كانت صور زملاءنا من القنوات المحترمة في مصر و الجيش يقتحم عليهم الاستوديوهات و يقطع عنهم البث لا تفارق خيالي، و كنت أدخل و أخرج من الاستوديو على مرأى تلك الصور تارة في خيالي و تارة أمام ناظري في ما لا يراه غيري..
و أعترف أني في خوضة الروز بالفاكية و دعوات العنف و ظهور الاستقطاب في أقصى حالاته و فلو الإرهاب الذي كنت على يقين أنه صنيعة مخابراتية و مازلت، كنت مستعدا للموت كل لحظة و كنت أرى الرصاصة قادمة من كل جهة، و كنت أحتسب ذلك للحق..
و أعترف أني بمعية زملاء صادقين و أصدقاء مخلصين كنت مستعدا لمحاورة الشيطان و استنطاقه على الهواء دون وجل مع تبعات ذلك على الجميع..
أنا الصحفي التونسي الوحيد الذي حاور محمد العربي زيتوت على الهواء مباشرة على قناة تونسية ما تسبب في شبه أزمة دبلوماسية مع الجزائر آنذاك أصدرت على إثره الخارجية التونسية بيانا ثم انتقل وفد برئاسة وزير الخارجية إلى الجزائر لمراجعة الأمر..
اليوم أنا أعيش حالة أشد من تلك الأولى.. اليوم أنا أعاني ما أجد من عجز الساسة عن إنقاذ البلد و عجز الشعب عن إعادة الساسة إلى الجادة و عجزي عن تنبيه الشعب بغير الكلمات أخطها على الشبكة العنكبوتية و أنطق ببعضها متى تيسر ذلك تحت ضغط لا يعلم مداه إلا الله..
اليوم أرى بن علي يضحك ملئ شدقيه و هو يستعد لحزم حقائبه، فالهجرة طالت و أيتامه في انتظاره.. أرى التجمع المقيت يعود و أحزابا كبائعات الهوى يتراقصن على جنبات فراشه و هو يمعن في إغوائهن و التحرش بهن بحيوانية بغيضة.. أرى وضاعة الأخلاق و تدني رصيد القيم لدى طائفة كبرى من الشعب التونسي الذي ما فتئ يوصف بـ "العياش" و الـ "الخبزيست" و أخيرا عرفنا أنه قصير النفس جدا.. حتى أنه يغتصب فينسى بعد حين و يعود للمغتصب يداعبه و يلاطفه و يرضى بالتمرغ في مستنقع بوله..
أعترف أني لا أجد يدا عليا تنصرني على الباطل و على نوازع الرعب من الأيام السوداء التي ما فتئت أتخيلها في مشهد وصفته في كلمات اشتهرت عني : "الصورة ماهيش صافية.. سفينة تونس مازالت تتلاطمها الأمواج.."
خلصت إلى أنه لا يجب أن يتطاول أحد على الشعب التونسي و أن هذه الأرض لا يجب أن تحكم بالحديد و النار..
إذن فلأقل لكم : في هذا المشهد البشع أتوقع أنها ستحكم بالحديد و النار و سيتداعى كل جماعة و كل طائفة و كل حزب إلى مصالحهم الجديدة التي أتقنت السفارات و مكاتب أجهزة المخابرات حياكتها بامتياز و دقة شديدة..
و لن تجد أيها الشعب الجبان العياش من ينطق باسمك إلا كذبا و لا من ينصرك إلا همسا و لا من يحميك إلا قليلا.. و هذا تالله أشد من واقع بن علي.. و هذا تالله أصعب من أيام الظلمات تلك.. و هذه تالله أشد رعبا من الأشباح في ليلة ظلماء لأنهم أشباح في ليالي يضيئونها ببرق قنابل إرهابهم و حدة شفرات سكاكينهم و رعد أسلحتهم..
يا هؤلاء أعترف أن الغشاوة مازالت تنتزع عن عيني و أعترف أني أخطأت في ما مضى في حساباتي كثيرا.. و أني ظلمت البعض و أملت في خيرية البعض.. فلم يصب ظني..
أعترف أني أرى بصيصا منيرا وراء غابة مشتعله.. لا حاجة لي بالنار بل أحتاج النور، و إني سأبحث عن طريق النور دون خوض النار..