التخطي إلى المحتوى الرئيسي

استقل الطائرة الآن و فورا

عندما كنت في الطائرة رأيت طبقات السحب.. فبان لي أمر كنت أجهله لأني لم ألمسه من قبل أو لأن عقلي الصغير لم يتصوره لضعفه..
السحب في السماء طبقات.. و الطبقات منفصلة كل عن الأخرى بفراغات في السماء.. لذلك يمكن أن تكون داخل الطائرة بين طبقتين من السحب.. إحداهما تحتك و الأخرى فوقك بينما أنت تسبح في فضاء شفاف من السماء التي لا تعي إلا أنها غير ملونة.
برؤية هذا المشهد قام عقلي بمقارنة مع فكرة ظلت مبهمة في عقلي، ألا وهي فكرة السماوات السبع، فإذا هي ممكنة.. فإذا كنا من الأرض لا نرى إلا الطبقة السفلية من السحاب و نعتقد أنها السقف، بينما هي مجرد صورة بيضاء أو رمادية لتجمع لبخار الماء يمكن عبوره دون خشية الاصطدام به.. و الحال أنه يمكن أن يعلوها طبقات من السحب بألوان أخرى و كثافة أخرى.. فإنه بنفس المنطق فنحن نرى السماء الدنيا و لا نرى السماوات التي تعلوها، قال عنها الله في القرآن: "فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" (0فصلت، الآية 12)..
بل إن كل ما نراه ألوان و زينة و صور.. تلخص لنا بهذه الفكرة قيمة ما نعيشه.. صور و ألوان و خيالات تتشكل داخل عقولنا و ليس لنا منها سوى بقايا الصور.. بينما نعتقد أننا نملك شيئا..
إنه بهذا المنطق لا يمكن تخيل قدر المستويات و الطبقات التي أنشئت في هذا الكون فلا نراها أو نراها و نعتقد أنها غير قابلة للاختراق أو العكس.. نحن نعي عالمنا بتصور سطحي بسيط جدا ليس فيه أدنى إبداع في الخيال..
لذلك وجب علينا من هذا المنطلق تطوير عقولنا و خيالاتنا و تصوراتنا و الانعتاق من قيد الصورة و البحث في ما وراءها و التعمق في ما لا يبدو من الصورة أو في حقيقة ما يبدو..
السحب التي أراها ككثبان القطن، ثم أخترقها فإذا هي لا شيئ، ثم تنزل ماء على الأرض نشربه فنحيا.. السحب التي نعتقد عندما تجتمع فوق رؤوسنا أنها سقف السماء فإذا هي طبقة من طبقات لا نراها و لا نتوقع وجودها بمجرد النظر..
الطائرة المعلقة في السماء بقدرة قادر.. و التي تمر أحيانا بمحطات في تلك السماء تحس أنها تلامس مواد تحركها و تخضها و ترجها رجا، في حين هي لا تلامس شيئا مرئيا و لا ملموسا..
هذا العالم نحياه برؤية قصيرة و خيالات بسيطة.. و ماذا لو كان كل ما نراه كذبة و خدعة بصرية..
ماذا لو كانت جل معتقداتك خرافة و تصورات خاطئة؟؟
ماذا لو تبين أنك في الطريق الخطإ تماما، ذلك أنك عدلت بوصلتك على إبصار فيه مغالطة أصلا؟؟
فكر و تفكر..
لا تستحق منك حياتك هذا القدر من الاستهزاء بها و بقيمتها.. و لا تحتاج روحك إلى مزيد من السَّجن داخل كهف الصور البسيط الطفولي هذا..
أنت تحتاج التثبت من البنيان الذي بنيت.. لعلك مخطئ.. لعلك لا تعرف أصلا أين أنت..
ابتعد عن الواقع الملموس بهذا القدر من البساطة و تأمل الصور المضللة من فوق السحاب لعلك تكتشف أمورا مختلفة و تدرك أنك كنت تخاف السراب و تختبئ من المطر أو من الشمس أو من السماء المخفية..
إن لم تجد الحق فلن تجد إلا الضلال.. "فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ" (يونس، الآية 33)..
استقل الطائرة الآن و فورا.