التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إقصائيّة ممثّل مدنيّة الدّولة.. تونس

خطاب الباجي قايد السبسي أمس للقناة الفرنسية الذي قال فيه أن من انتخب الرئيس المرزوقي هم الإسلاميون المتطرفون والسلفيّون الجهاديّون ورابطات حماية الثورة العنيفة، منطق استئصالي عنيف إقصائي.. ليس أكثر من اتهامات مغرضة، واستقواء بالأجنبي على فرقاء سياسيين سلميين صوّتوا لرئيس يساري علماني أمام بقايا نظام الدكتاتورية التي قامت عليها ثورة اعترف بها وصفّق لها كل ديمقراطيي العالم.
كيف لرجل يدّعي تمثيل قيم للمدنيّة في تونس أن يطلق بهذه البساطة أحكاما خطيرة كهذه على مواطنين سلميّين كل ما قاموا به ممارسة حقّهم المواطنيّ بالانتخاب بكل حرّيّة رئيسا يمثّلهم من بين سبعة وعشرين مترشّحا؟ بل إنّ جلّ المخالفات والتّجاوزات أيّام الحملة الانتخابيّة وحتّى يوم الاقتراع ارتكبها حزبه وأنصاره قيادة وقاعدة..
إنّ خطابا كهذا يمثل دعوة صريحة للاحتراب الأهلي ونشرا للتباغض والفرقة وتأجيجا للفتنة بين أبناء الوطن الواحد المتّفقين على الاحتكام إلى الديمقراطية لإرساء مؤسسات دولة الحقوق والحريات، بمباركة من كل القوى الحرة في العالم.
هذا الرّجل إمّا غير مدرك لما يقول، وهو أمر محتمل بحكم سنّه المتقدّمة جدّا، أو هو متعمّد إثارة البلبلة في المجتمع التّونسيّ بسبب ضعف أداءه الانتخابيّ. كيف لا وهو من اعترف بعظمة لسانه بتزويره الانتخابات أكثر من مرّة في ما مضى، متسائلا بنفسه ما إذا كان هو ومن معه من المنظومة الدكتاتورية قادرين على التّحوّل بين عشيّة وضحاها إلى ديمقراطيّين حقيقيّين دون تزوير.
لا يمكن أن يمرّ تصريح من هذا النّوع مرور الكرام.. فتكريس الانقسام والطّائفيّة السّياسيّة والإيديولوجيّة لم يعد مسموحا في تونس الثّورة..
لقد أصبحت إلى حدّ كبير موقنا أنّ خطر الدكتاتوريّة العائدة في ما سمح لها دستور الجمهوريّة الثّانية لا يقلّ عن خطر سابقتها البائدة، وأن الباجي قائد السبسي لا يختلف كثيرا عن بن علي.