التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدّين أمّ القضايا عند العرب..

وتكمن معضلة العرب مع الدّين في أنّهم لا يستطيعون في آن لا الالتزام بكلّ ما في تراثهم منه، ولا تركه. وهم في ذلك يراوحون مراوحة غير متوازنة وغير صريحة بين متناقضين: تقديس كلّ قديم -حتّى ظهرت فيهم السّلفيّة المقلّدة تماما للأقدمين-، وادّعاء الالتقاء بروح العصر وما بلغته سائر الأمم المتقدّمة فكريّا وحضاريّا. 
إنّ ما يواجهه العرب من تحدّيات في ملفّ الدّين، هذا المبحث الشّائك، ليس فقط شأنا داخليّا، بل هو ذو بعد عالميّ اليوم.
إذ العرب لا يعانون فقط أثر توقّف البحث والاجتهاد على وعيهم الدّينيّ محلّيا، بل حتّى خارجيّا؛ ما تسبّب لهم في صراعات في ما بينهم وصراعات مع الآخر المختلف عرقا وطائفة ودينا. وهم ينسون أو يتناسون في خضمّ هذا الحراك الطّبيعيّ أنّ ما يحدث لا يعدو أن يكون تجسيدا للفراغات المعرفيّة والفكريّة لديهم، على أرض الواقع لا أكثر.
فظهرت فيهم ذكرا لا حصرا الجماعات التّكفيريّة والمقاتلة بأنواعها، من جماعة التّكفير والهجرة إلى داعش مرورا بالقاعدة، وهي كلّها تمظهرات لحالة من العفن الفكريّ وانغلاق الرّؤى وعدم الإبصار في عالم متغيّر أصبحت تحكمه قوانين كونيّة ومواثيق دوليّة وعهود واتّفاقيّات لإدارة الشّأن بين الأمم مهما اختلفت. وعلى ظلم هذه القوانين أو زيف إرادتها ربّما، إلّا أنّها تنظّم العلاقات الدّوليّة وتشكّل المشهد العالميّ، ولعلّها أفضل السّيّء المتاح على الأقلّ حاليّا.
ويبقى العرب خارج الإطار. إمّا خاضعين للأنظمة المتحكّم فيها من القوى الكبرى بقوانين لعبة المصالح، والّتي تُخضعهم تبعا لذلك عبر البوليس أو فتاوى أئمّة السّلطان والمؤسّسات الرّسميّة، أو متمرّدين عبر الجماعات القتاليّة الّتي تكفّر العالم أجمع وتقاتله ويكفّر بعضها بعضا.
ودون الغرق في نظريّة المؤامرة فإنّ الحديث عن أنّ هذه الجماعات -الّتي تمثّل قمّة الدّين لدى جزء غير صغير من الشّباب العربيّ- قد تكون مخترقة حتّى في قيادتها من أنظمة المخابرات المعادية، لا يخلو في بعض الحالات من صواب؛ وهو ما يعتبر دليلا بارزا ويعزّز اليقين في أنّ إحدى أزمات العرب الكبرى هي علاقتهم بالدّين. وإلّا فكيف يمكن اختراق تنظيمات ترى نفسها تمارس ما يعتبر ذروة سنام الدّين أي الجهاد، وحتّى توظيفها لخدمة المشاريع الاستعماريّة في سائر المنطقة العربيّة ! ما يمثّل تحدّيا صعبا.