التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الله يسامح إلّي كان السّبب!

"الله يسامح إلّي كان السّبب"
منصف بربوش وفيلم صراع وأنا الذي لا يقدر العذابات!

لم يكن أي فرد من عائلتي نهضويا ولا سجن من أهلي بتهمة الانتماء للإسلاميين أحد. كنت وأنا صغير أسمع كلمة "خوانجي" تقال عن أحد معارفنا فصل من العمل أو يعاني وضعا صعبا لا أعرف عنه شيئا سوى تلك الكلمة.
أذكر أني سألت أمي عن معنى الكلمة في أوائل التسعينات فأجابتني بما لم أفهم وأعتقد أنها انتهرتني عن السؤال.
أما أبي فكان يعارض النظام من منطلق يساري اشتراكي معتز بالهوية الإسلامية وكانت له رؤاه.. لكني أيضا لم أكن في طفولتي أعي من معارضته شيئا سوى أنه لا يحب النظام وأن النظام لا يحبه. وكان هذا كافيا ليجعلني أكره الحاكم مهما كان وعلى هذا ربيت. على أني لم أكن أيضا أكن تقديسا للمعارضة فأنا لا أفهم ما يفهله هؤلاء الكبار سوى اهتمامهم بنشرات الأخبار ونقاشاتهم التي لا تنتهي عن الحرب والمواجهات وإجاباتهم المبهمة على أسئلتي، لرأفتهم بي في طفولتي ولكن أيضا لعجزهم عن تقديم الشافي من الرد، فلعلهم أيضا لم يكونوا يعلمون ما يفعلون سوى أنهم بالضرورة في مواجهة الحاكم لأي سبب جعلهم كذلك.
عندما عرفت الصلاة أحببت المسجد لكني منعت منه إذ الله موجود فيه وخارجه، وإن كنت صادقا فسأجده ويجدني داخل المسجد أو داخل غرفتي.. هذا ما قيل لي وما رد علي به لمنعي من المسجد.. بين وعد ووعيد كنت أمنع من مخالطة المصلين وارتياد المسجد مع تشجيعي على الصلاة لكن في البيت.. وكنت أغافل الجميع وأخرج فجرا وأحب المصلين ويعجبني التزامهم.. وأحب المسجد ويعجبني الترتيل..
قد يختلف رأيي اليوم.. ففي الحقيقة كثير من المصلين مخيفون وارتياد المسجد وإن كان علامة على التدين فهو قد لا ينفي وجود مفاسد لا يعلمها إلا الله لدى كثير ممن يظهرون التدين.
أول ما سمعت كلمة انتماء كانت من أحد أصدقائي في سن المراهقة، وكانت لمدح أحدهم.. قال لي: عم فلان انتماء.. هكذا بكل فخر.. سألته عن المعنى فقال بأنه من الاتجاه الإسلامي.. قلت له أولئك الذين يمارسون السياسة بالدين.. لا أحبهم. فرد بما يفيد أنهم جيدون وأنه يعرف أخلاقهم ودينهم وأنه يقدر عذاباتهم ومحنتهم في مواجهة بن علي. لكن ذلك لم يشفع لهم عندي.. لماذا تصدوا للسياسة بالدين؟ وماذا حصلوا عند ممارسة السياسة بالدين سوى السجون والمنافي والعذاب وجعل الدكتاتور أكثر وحشية..
لا أدري اليوم هل كانت أفكاري تلك صحيحة أم لا لكنها تشي بشيء من المنطق الذي كان دائما يحكم عقليتي وسلوكي: أن لا داعي للمواجهة وأن الحرب اختيار مجنون.
عرفت السلفيين والتكفيريين وأعجبني تكفيرهم لكل العالم على أني سرعان ما لفظتهم ولفظوني لأني بدوت لهم ألطف من أن أكون أحدهم وبدوا لي أجلافا زينوا بذاءة أفكارهم بالدين. فتركتهم وتفرغت حينا لمواجهة فكرهم بنقضه مما أعلم عن تناقضه..
لم أكن في كل هذا سوى شاب أرعن لا يعجبني إلا ما يقنعني أو يؤثر في نفسيتي التي كنت أسميها نفسية فنان مع أني لم أكن أبرع في أي من الفنون. لكني كنت أسعد أن أقول لأصدقائي أن لي نفسية فنان وعقل مثقف غريب. ألهو بشكر نفسي..
لكن الإسلاميين ظلوا محترمين بالنسبة لي رغم أني لا أحب السياسة في دينهم أو الدين في سياستهم.. المهم أني أكره السياسة مع أني أتابعها وأحللها ويسود مجالسي مع الثقات السخرية من النظام والحلم بالحرية، لكن في ذات الحين كل من سعى للحكم عندي مكروه.. لذا كان النضال باسم الدين في سبيل الحكم شيئا غريبا وأعتقد أنه مازال كذلك.
لا أكذب عندما أقول أني مازلت أبغض السياسيين ولا أدري لماذا؟ وأني مازلت لا أثق بمن يظهرون التدين لأنهم قد يخفون من السياسة أو المصلحة ما لن أكتشفه إلا لاحقا.. وبهذا أفهم ربما عقلية اليساري الرافض للدين والمتدينين أو حتى الدكتاتور الذي يخشاهم فيتغدى بهم قبل أن يتعشوا به.
كنت منذ قليل أشاهد فلم صراع للمخرج الجميل منصف بربوش. والفلم يروي مأساة الإسلامين، وأعترف أني بكيت بهستيريا وأنا أشاهده وأني غضبت بهستيريا وأني شتمت بهستيريا وأني استعدت بغضي الحقيقي لبن علي، وأني رأيت كل الجمال الإنساني في بطولة نساء السجناء وأحببت الناصر الذي نجح في الهروب من السجن وأثر في الأستاذ الذي عاش وأبناءه مأساة السجن، وأني تأثرت للقطة المساعدات التي أرسلت من الخارج لعائلات السجناء في الداخل.. والحقيقة أن الفيلم أخرج كوامن المأساة الإنسانية التي عايشناها مع النظام الفاسد والتي سكنت أرواحنا ونحن لم ننتبه طيلة ثلاث وعشرين سنة من الطغيان.
لكن شيئا واحدا فشل فيه الفيلم أيما فشل وهو أن يجعلني أتعاطف مع قادة السياسة إسلاميين كانوا أو يساريين أو حتى يجعلني أرأف لهم. ولعلّ كلمة قالها المنفي في آخر الفيلم اختزلت كلّ القصة عندي ولا أدري إن كانت كذلك عند المخرج، قال الرجل: "الله يسامح إلي كان السّبب".
لا أدري كيف أعلّق على اللقطة لكنها لامست ضميري وأجابت عن تساؤلاتي؛ أو هي جعلتها تتكرّر: هل كان ضروريا مواجهة نظام دكتاتور بتلك الحماسة الهوجاء؟ هل كان الإسلامي يعي ما يفعل أم كان غرّا بسيط الوعي يرى الواقع بطوباوية قصص التراث الحالمة بالبطولات الملحمية والمعجزات الكرامات السماوية؟
هل تطوّر هذا العقل فعلا ليجعلنا نفهمه ويفهمنا حتّى يؤسس الغد لنا وله بشكل جيّد؟ أم أنّه يجاري أخطاءه باجتهاداته الجديدة التي قد تكون أخطاء الأمس في شكل آخر؟
هل اختلف الحاضر عن الماضي أم أن الضفدعة تطهى وهي تستمتع بدفء الماء في الطنجرة حتى يغلي دماغها؟
لا احبّ أن أقول أنا غير إسلاميّ لمجرّد قولها كما لا أحبّ أن أنسب نفسي لأيّ انتماء. لكن لماذا تحبّون القول أنّكم بالضّرورة أهل الدّين ومنتسبوه؟ هل في ذلك إضافة حقيقيّة لنا ولكم؟ هل ضاع الدّين من دونكم مثلا؟ هل غضب الله علينا وأنتم في السجن؟ هل سيغضب أن الناس لم تنصركم من جديد؟
هل يحب الرّسول وربّه بالضّرورة منكم ذلك؟
إنّ الفكرة تحتاج تحريرا من جديد. أرجوكم قولوا لنا أن لكم أخطاء وأن انتماءكم بسيط تحكم جزءا منه العاطفة وحكمت جزءا منه المصلحة ويربطكم به الماضي "البطولي" في مواجهة الطاغية، على أن الطاغية استقوى بتلك المواجهة..
لا أريد طرح تصوراتي المختلفة عن تصوراتكم لكن أرى الظلم مشتركا، على أني لا أساوي بين الضحية والجلاد. لكن هل كان الضحية ليكون ضحية لولا إرادته العميقة أن يكون كذلك؟
آسف لهذا أيها الإسلاميون؟ ومن أراد سبّ أمّ كفري وأصل جهلي، فأعتذر له وأقول له: واصل فأنت بطل وأنا جبان عاجز أكذب بلساني وما قدّمت شيئا في ساحات النّضال.
"الله يسامح إلّي كان السّبب"