التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التّغيير في العالم العربي: السّبل والآفاق.. التّغيير الممكن بين إشكاليّة الدّين وروافع الدّولة والمجتمع

المقدمة
إنّ الباحث في موضوع التّغيير في العالم العربّي ليصطدم بكثير من التّساؤلات، وهي كثيرة مبعثرة تحتاج ترتيبا في الذّهن لمحاولة فتحها وإيجاد إجابات ربّما ممكنة لبعضها والتّقدّم خطوات في بحر التّساؤل الّذي يبتدر الإجابات في بعضها الآخر.
ولعلّ أهمّ ما يشغل العربيّ المفكّر مثقّفا كان أو عامّيا كما يقال هو الموضوع السّياسيّ، لأنّه الطّافي والظّاهر إعلاميّا والأقرب لوعيه. غير أنّ السّياسة ليست سوى الشّجرة الّتي تحجب الغابة، إذ أنّ جوهر المشكلة في العالم العربيّ يكمن في ما يسمّى عالم الأفكار.
وعالم الأفكار هذا هو ما يجمع تقريبا كلّ الموروث الفكريّ والنّظريّ والعادات العقليّة الّتي يتأسّس عليها كلّ فعل فرديّ أو جمعيّ، ويكفي لفهم سلوك الأفراد والجماعات فهم وتحليل أفكارهم ورؤيتهم للكون.
لذلك ستحاول هذه الورقة النّظر في بعض مشكلات الموروث الفكريّ العربيّ وخاصّة الدّينيّ، وعلاقة الفرد بالدّين من ناحية، وعلاقة الدّين بالدّولة والمجتمع من ناحية أخرى؛ خلال ما نعايش في سائر بلداننا أو ما نلمس كلّما زرنا أمما تفضلنا اليوم حضاريّا وفكريّا.
وسيرتكز البحث على مسائل تعتبر الإجابة عنها والسّماح بالخوض فيها واقتراح تصوّرات جديدة لها، بداية لطريق وسبيل التّغيير.
فالبحث عن سبل وآفاق التّغيير يأتي عبر تحديد المشكلات في أمّهات القضايا، ومن ثمّ استشراف سبل وآفاق التّغيير فيها.
لذلك سيتكوّن هذا البحث من خمس فقرات:
- التّغيير، سبله وآفاقه
- الدّين، أمّ القضايا عند العرب..
- الدّولة: التّنّين الأسير..
- المجتمع: الضّامن المفقود !
- هل يحدث التّغيير مع هذه الصّعوبات؟

التّغيير، سبله وآفاقه
يتطرّق هذا البحث إلى التّغيير بماهو حراك إيجابيّ يبدأ بتحديد نقاط الضّعف ويمرّ عبر محطّات حلّ بعض المشاكل وهدم بعض الأسقف وتأسيس بعض الجديد في فضاءات أرحب وأكثر ديناميكيّة وإنتاجا.
التّغيير ليس وصفة حلول تقدّم لمشاكل المنطقة العربيّة، ولا هو نتيجة يمكن الوصول إليها والتّوقّف عندها. التّغيير مسار يحتاجه كلّ من بلغ حالة من انعدام الأفق وانغلاق السّبل وعدم الإنتاج وتآكل الأدوات القديمة. وهو بالضّبط ما يعاني منه العرب منذ فترة طويلة، غير أنّه من الجيّد ركوب أيّ مركب جادّ للتّغيير، وفي ذلك يتنزّل هذا البحث.
التّغيير إذن مسار وسبل تتجلّى منها آفاق. ومخطئ كلّ من يعطي تصوّرا دقيقا نهائيّا لنتائج التّغيير أو لطرقه، بل الأولى القبول بقوانين وقواعد التّغيير الّتي سطّرها التّاريخ وسسن الكون منذ الأزل.
وهنا يبرز السّؤال كأوّل سبيل للتّغيير. السّؤال بما يتضمّنه بداية من إنكار لما عاد مرفوضا ومن بحث عمّا يمكن أن يكون البديل. والسّؤال بهذا أب السّبل وسيّدها وكلّما تراءت الإجابات منطقيّة جدّيّة منفتحة صادقة غير معترفة بتابوهات أو محرّمات، كلّما كانت أفق التّغيير أقرب وأرحب.
آفاق التّغيير هي أيضا ليست نسخة جاهزة، بل هي أحلام لدى العاملين على هذا المشروع، يراها كلّ وفق تصوّرات. وينظّم الاختلاف في التّصوّرات سلك السّبل الجادّة والاتّفاق على حدّ أدنى من المنطق والجدّيّة في البحث.
فيبرز الأفق المنشود في اللحظة التاريخيّة الرّاهنة كـ: فضاء حيّ متحرّك متقدّم، ينتج أدبه وفنّه ومعرفته وصناعته، ويحمي إنتاجه، وفيه تحترم الحقوق المدنيّة والسّياسيّة للأفراد والجماعات، تسوده العدالة الاجتماعيّة.
ولا يقتصر هذا التّصوّر على نمط معيّن موجود الآن كتركيا المجاورة مثلا أو إيران أو ألمانيا أو الولايات المتّحدة أو روسيا أو الصّين أو اليابان. بل يفترض منطقيّا إذا سلك هذا التّغيير السّبل الصّحيحة فإنّه سيبتدر بنتائج سعيه الآفاق الأرحب والأفضل للمستقبل. فتكون النّتائج ابنة بيئتها وتجربة متفرّدة، أو هي على الأقلّ باستفادتها من تراكم التّجربة الإنسانيّة باقة ورد من حقول مختلفة.
المهمّ أنّها أفضل وبكثير من الواقع، والأهمّ أنّها تحافظ على سبل تغييرها وحركتها إلى الأمام، ليصبح بذلك التّغيير أسلوب حياة لا غاية بعيدة أو مبحثا ضنينا.
ويفترض في صفة هذا التّغيير أن يكون دائما قائما لا زائلا ولا متحوّلا، فهو عماد الحركة المنتجة، وهو سبب التّقدّم، وكلّ من يقف عنه يقف عنه التّاريخ؛ فيضطرّ عاجلا أو آجلا إلى طلب التّغيير وفتح الجروح غير المندملة ومحاولة الالتحاق، وقد يصعب.
التّغيير فكريّ قبل أن يكون عمليّا. والمجالات لذلك كثيرة، لكنّ هذه الورقة ستحاول التّركيز على طرح بعض نماذج المشكلات الّتي يجب الإجابة عليها وطرح الأسئلة فيها، حتّى يتسنّى الانطلاق نحو ما هو أبعد. وسيلاحظ المتابع للموضوع التّركيز على الملفّ الدّينيّ، وهو اختيار لمسألة هي الأخطر في الواقع العربيّ رغم ما قد يراه البعض مبالغة ربّما. فالدّين والعرب متلازمان منذ الجاهليّة؛ وليس مجرّد رغبة الكاتب في طرح هذا الموضوع هو الدّاعي بل تعقيد هذا الملفّ وتأثيره على الحالة العربيّة دائما.

الدّين، أمّ القضايا عند العرب..
يقصد بالدّين في هذا البحث الإسلام تحديدا وما تعلّق به من تراث، رغم وجود عرب مسيحييّن ويهودا، لكنّ الإسلام دين الغالبيّة العظمى من العرب، ويشترك العرب في ميراثه الثّقافيّ والتشريعيّ.
وتكمن معضلة العرب مع الدّين في أنّهم لا يستطيعون في آن لا الالتزام بكلّ ما في تراثهم منه، ولا تركه. وهم في ذلك يراوحون مراوحة غير متوازنة وغير صريحة بين متناقضين: تقديس كلّ قديم -حتّى ظهرت فيهم السّلفيّة المقلّدة تماما للأقدمين-، وادّعاء الالتقاء بروح العصر وما بلغته سائر الأمم المتقدّمة فكريّا وحضاريّا.
إنّ ما يواجهه العرب من تحدّيات في ملفّ الدّين، هذا المبحث الشّائك، ليس فقط شأنا داخليّا، بل هو ذو بعد عالميّ اليوم.
إذ العرب لا يعانون فقط أثر توقّف البحث والاجتهاد على وعيهم الدّينيّ محلّيا، بل حتّى خارجيّا؛ ما تسبّب لهم في صراعات في ما بينهم وصراعات مع الآخر المختلف عرقا وطائفة ودينا. وهم ينسون أو يتناسون في خضمّ هذا الحراك الطّبيعيّ أنّ ما يحدث لا يعدو أن يكون تجسيدا للفراغات المعرفيّة والفكريّة لديهم، على أرض الواقع لا أكثر.
فظهرت فيهم ذكرا لا حصرا الجماعات التّكفيريّة والمقاتلة بأنواعها، من جماعة التّكفير والهجرة إلى داعش مرورا بالقاعدة، وهي كلّها تمظهرات لحالة من العفن الفكريّ وانغلاق الرّؤى وعدم الإبصار في عالم متغيّر أصبحت تحكمه قوانين كونيّة ومواثيق دوليّة وعهود واتّفاقيّات لإدارة الشّأن بين الأمم مهما اختلفت. وعلى ظلم هذه القوانين أو زيف إرادتها ربّما، إلّا أنّها تنظّم العلاقات الدّوليّة وتشكّل المشهد العالميّ، ولعلّها أفضل السّيّء المتاح على الأقلّ حاليّا.
ويبقى العرب خارج الإطار. إمّا خاضعين للأنظمة المتحكّم فيها من القوى الكبرى بقوانين لعبة المصالح، والّتي تُخضعهم تبعا لذلك عبر البوليس أو فتاوى أئمّة السّلطان والمؤسّسات الرّسميّة، أو متمرّدين عبر الجماعات القتاليّة الّتي تكفّر العالم أجمع وتقاتله ويكفّر بعضها بعضا.
ودون الغرق في نظريّة المؤامرة فإنّ الحديث عن أنّ هذه الجماعات -الّتي تمثّل قمّة الدّين لدى جزء غير صغير من الشّباب العربيّ- قد تكون مخترقة حتّى في قيادتها من أنظمة المخابرات المعادية، لا يخلو في بعض الحالات من صواب؛ وهو ما يعتبر دليلا بارزا ويعزّز اليقين في أنّ إحدى أزمات العرب الكبرى هي علاقتهم بالدّين. وإلّا فكيف يمكن اختراق تنظيمات ترى نفسها تمارس ما يعتبر ذروة سنام الدّين أي الجهاد، وحتّى توظيفها لخدمة المشاريع الاستعماريّة في سائر المنطقة العربيّة ! ما يمثّل تحدّيا صعبا.

- بعض المشكلات في التّصوّرات الدّينيّة نفسها
وحتّى لا يفهم هذا التّحليل خطأ، فإنّ القصد ليس الإسلام في حدّ ذاته كدين، بل في ما أحاط بالإسلام وارتبط به على مرّ الأزمنة من تراث نجده في كتب الفقه والحديث والتّاريخ والأدب وفي الذّاكرة الشّعبيّة؛ والّذي أصبح لدى العامّة وحتّى لدى بعض المثقّفين مرادفا لأصل الدّين. حتّى التبس الأمر على الباحث عن الحقيقة مسلما كان أو مسيحيّا أو يهوديّا أو حتّى لاأدريّا في العالم العربيّ، وعلى المطّلع من غير هذا الفضاء.
وتكمن المشكلة في علاقة هذا العربيّ بالدّين في التّناقضات الّتي يتلقّاها في مختلف مراحل عمره ومستويات تعلّمه. إذ أنّ تعلّق العرب بالدّين، جعلهم يضفون هالة من القدسيّة قويّة على كلّ نقاط التّماس معه؛ وبذلك أصبحت رؤيتهم للعالم تمرّ عبر مصفاة التّصوّرات والنّظريّات والأحكام المقدّسة... وهو ما خلق التّناقض.



o نماذج عن التّساؤلات في الدّين من خلال الآية 110 من سورة آل عمران
ولعلّ أحد أبسط الأمثلة على هذا التّناقض تكذيب العربيّ لنفسه عندما يقرأ: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" (آل عمران، الآية 110)، ثمّ ينظر إلى واقعه فيجد أنّهم بعض أسوإ أمم الكون حالا منذ قرون، وحيث أنّه لا يرى للحلّ سبيلا فهو يتصوّر البؤس ملازما له لقرون لاحقة ! ما يثبّط أيضا عزمه في التّغيير..
وليس الخطأ في الآية نفسها، فإنّ مفسّرا عليما لن يقف عند هذا الجزء بل سيتقدّم نحو أسباب الخيريّة الكامنة لاحقا في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والإيمان بالله "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" .على أنّ هذه المعاني نفسها فيها إشكالات أخرى.
فماهو الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؟ هل هوسلوك فرديّ أو جمعيّ؟ وماهي ضوابطه؟ وعلى أيّ مذهب؟ وأيّ الأقوال أرجح؟ وهل يكون منظّما من طرف الدّولة من خلال مؤسّسة كما هو الحال في السّعوديّة. ولا يخفى عن متابع عاديّ ناهيك عن الباحث المدقّق المؤاخذات على هذه المؤسّسة !
ومن ثمّ فهل أنّ مأسسة أوامر الرّب في القرآن تفيد في ضمان الالتزام بها أم أنّها تفرغ هذه الأوامر من معانيها العميقة روحيّا فتختزلها في شكل قانونيّ يصبح بعد برهة هيكلا شكليّا ممجوجا، خاصّة مع انعدام الكفاءة واستشراء الظّلم والفساد حتّى في مؤسّسات الدّين!
ولو نواصل الآية، فماهو الإيمان؟ وهل السّنّة بمذاهبهم مجموعون مع الشّيعة بمذاهبهم تحت سقف هذا المعنى؟ أم أنّ اختلافا عقديّا صغيرا كان أو كبيرا يخرج من الإيمان؟ هذا إن اكتفينا بالمسلمين من العرب. لكنّ في العرب مسيحيّين ويهود أيضا، ولعلّه من حسن الطّالع أنّ الآية نفسها تفيد بالمزيد: "وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ".. فهل يجوز التّعايش معهم والرّضا بإيمانهم الّذي تشير إليه الآية أم أنّهم أعداء مهما كان حالهم، في الخيريّة أو في سواها، بالإيمان أو بالفسوق؟
ودون الغرق في تفاصيل هذه الآية والّتي لها فضاءات واختصاص تفسيرها فإنّ نظرا بسيطا فيها كان كافيا لطرح بعض الأسئلة الّتي تبدو عويصة اليوم على عالم مدقّق ناهيك عن فرد بسيط !
ولا تكمن صعوبة الأسئلة في إيجاد الإجابات عليها فهي كثيرة ولا تخلو منها الكتب ومواقع الانترنت والتّسجيلات لمفتين وشيوخ ودعاة؛ لكنّ الصّعوبة تكمن في فهم وتحليل هذه الإجابات.. فبعضها يناقض بعضا، وبعضها يناقض الواقع وبعضها يناقض السّنن الكونيّة؛ وجلّها لا يفي بالغرض وإلّا لما كان لهذا المبحث من ضرورة أصلا ولكنّا فعلا خير أمّة كما تصف الآية.
والباحث في اعتقادات عموم العرب من مسلمين وغيرهم يجد في تصوّراتهم لأنفسهم وللآخر تساؤلات عدّة تجيب عنها الدّغمائيّات غالبا بقطعيّات دون النّظر في مدى علميّتها أو منطقيّتها.
ولم التّساؤل فالعادة والألفة والميراث المجتمعيّ والقبليّ والطّائفي كفيل بغلق باب البحث، وما دونه محض كفر وافتراء واجتراء على المقدّس.
وما الآية أعلاه إلّا مجرّد مثال لعلّ غيرها كثير في مسأئل أخرى شائكة كالسّلم والحرب والعلاقات الاجتماعيّة كالزّواج والمعاملات مع المخالف في الدّين، ومنه المخالف في الطّائفة والمذهب لاحقا..

- الفقه
هذه الأطروحات تشمل عموم النّصوص المقدّسة من آيات وأحاديث، حتّى تتنزّل إلى أقوال الفقهاء. فقد توقّف البحث والاجتهاد في الفقه لدى الكثيرين يوم نطق ابن عساكر بمقولته الشّهيرة: "لحوم العلماء مسمومة". ما كان كافيا ليعتقد الكثير إثرها أنّ أيّ ردّ علميّ هو قدح في العالم وأكل للحمه. وبذلك توقّفت إحدى العجلات عن الدّوران فأصبح الفقه متخلّفا، فقه التحاق لا فقه استباق. وحتّى الالتحاق ليس مضمونا فكم من المسائل لا رأي للفقه فيها حاليّا أو تجاوز النّاس أقوال الفقهاء فيها كمسألة التّصوير وحتّى حجاب المرأة ذكرا لا حصرا، والّذي أصبح مسكوتا عنه لدى البعض لوجود أقوال متناقضة فيه، ونظرا لأنّ الواقع أصبح غير قابل للسّيطرة؛ هذا دون الحديث عن أقوال الفقه في السّياسة مثلا، والّتي قد لا يوجد إثر الأحكام السّلطانيّة للماورديّ بديل عنها أو جديد يذكر فيها !

- الحديث
تتضمّن كتب الأحاديث تناقضات. وكما قلنا عن الدّين عموما أنّه ليس مذموما في أصله، بل في ما لحق به وارتبط به من تراث أو تلفيق أو تفسيرات هي إلى هوى البعض أو ظرفيّتهم بمختلف أبعادها أقرب منها إلى أصله، فإنّ الذّمّ ليس في ما قاله محمّد عليه الصّلاة والسّلام، بل في ما قيل أنّه قاله، وقد لا يكون صحيحا؛ لذلك يصبح هذا المبحث أيضا معضلة أخرى على سبيل الإصلاح وتنقية الموروث الدّينيّ ممّا لحق به من زوائد، قبل الحديث عن فرضيّة ناهيك عن إمكانيّة أو انطلاق مشروع التّغيير.
والمشكل مع الأحاديث لا يختلف عن غيره من العلوم فإنّ البعض أغلق باب التّحقيق على ما ورد في الصّحيحين البخاري ومسلم وعلى شرط الشّيخين مثلا وعلى تفسير الأقدمين لما بلغهم من نصوص الأحاديث. بل واعتبر هذه الأحاديث مجملها في مرتبة قدسيّة عليا حتّى لتكاد تظاهي القرآن حاكميّة أو ربّما تغلّبت عند البعض. فظهرت نسخ حديثيّة للدّين، ولعلّ الجماعات المقاتلة تتشرّب من هذه المدرسة الكثير، فنسختها عن الدّين لا تكاد تخرج من أحاديث جهاد لا يكاد يعلم صحيحها من ضعيفها، ولا تحقيق فعليّ لظرفيّاتها ولا لحاكميّة آيات القرأن عليها.
على أنّ هذه الورقة البحثيّة لن تخوض في أكثر من الإشارة للموضوع لأنّه أيضا محلّ تخصّص، لكنّ الإشارة إليه ضروريّة من باب الإحاطة بأمّهات القضايا في ملفّ الدّين.

الدّولة: التّنّين الأسير..
الدّولة عند العرب حاليّا في أغلب حالاتها هي التّنّين (صورة الدّولة عند توماس هوبز). فهي الحاضرة عبر كلّ أجهزتها في حياة هذا المواطن، إداراتها وإعلامها وقضاءها ومؤسّساتها السّاعية دائما للسّيطرة على كلّ جوانب الحياة.
وهذا الطّبع في الدّولة لا يتختلف كثيرا بين ما أصبحت تسمّى اليوم دولا ديمقراطيّة أو الّتي مازالت ترزح تحت ديكتاتوريّات أيّا كانت طبيعة النّظام الحاكم، مع وجود بعض الاستثناءات في حالة وجد على رأس النّظام نخبة عادلة أو كان الأفراد على اختلاف مستوياتهم خاضعين لنظام عادل.
ولا يقصد البحث في الدّولة سوى مزيد طرح الأسئلة غير ذات الإجابة عندها حاليّا:
كيف ينشئ العرب دولا تحترم مواطنيها؟ وفق أيّ نظام سياسيّ وأيّ دستور؟ ما هي طبيعة علاقة الدّولة بالمواطن؟ فيم تتدخّل وفيم لا تتدخّل؟ ما المطلوب منها توفيره لشعبها؟
أيّ نظام سياسيّ يتماشى وطبيعة المنطقة العربيّة؟ وهل هناك نظام واحد يمكن تطبيقه على الجميع، في إطار وحدة مفترضة؟ وأيّ نظام يضمن الاستقلاليّة والوحدة في آن بين مختلف البلدان؟ وأيّ نظام يراعي الطّبيعة الاجتماعيّة للسّكّان؟ ويؤسّس لعلاقات بينيّة جيّدة خاصّة لدول الأطراف مع الباقي؟
غير هذه الأسئلة كثير، ويطفو على السّطح سؤال في علاقة بزاوية بحثنا الرّئيسيّة: الدّين، فأيّ علاقة للدّولة بالدّين؟ ومتهي حدود التّماس بينهما؟ إلى أيّ حدّ يتدخّل أحدهما في الآخر؟
فمشهد بابا الأقباط في مصر وشيخ الأزهر وشيخ حزب النّور السّلفيّ وهم يجتمعون لمباركة انقلاب على رئيس منتخب شرعيّا، يرجع هو نفسه إلى جماعة دينيّة هي جماعة الإخوان يطرح تساؤلات كبرى ! من أخطأ في حقّ من؟ وما حدود تدخّل الدّين في السّياسة وتدخّل السّياسة في الدّين؟
فهذا المثال بالذّات في مصر إن لم يفتح بجدّيّة ودقّة ويخلص فيه إلى النّتائج الأدقّ فسيبقى جرحا لدى المصريّين ولدى غيرهم من الأمم حيث تحضر جماعة الإخوان بأصلها أو بتفريعاتها، أو حتّى غيرها من التّنظيمات السّياسيّة ذات المرجعيّة الدّينيّة.. وهو مشكل متعدّد الأبعاد، سياسيّ ودينيّ واجتماعيّ.. وهكذا.
ولا يقتصر البحث في هذا الموضوع على جماعة الإخوان، فهناك المؤسّسات الصّوفيّة والّتي يتبنّى أطروحاتها أحزاب، وهناك السّلفيّة وغيرها!
وحتّى لا يتواصل مسلسل الدّم باسم الجماعة أو الحزب أو الطّائفة أو الدّولة فلابدّ من سلك سبيل السّؤال الجادّ في هذه الملفّات حتّى تتوضّح الآفاق لبناء المستقبل، دون إفراط ولا تفريط.
وتبقى هذه التّساؤلات والأمثلة قطرة من محيط يمكن الكتابة عنه والبحث فيه، غير أنّ ضيق المجال لا يسمح بمزيد من التّوسّع، فيكفينا في هذه الورقة الإشارة على الأقلّ.

المجتمع: الضامن المفقود!
إنّ إنشاء مجتمع قويّ هو الكفيل بضمان وضع العرب على سبيل جيّد من سبل التّغيير. إذ المجتمع القويّ المتماسك المتعايش على اختلاف مكوّناته، والّتي قد تصل التّناقض، هو الكفيل بضمان الاستقرار والحفاظ على مكتسبات عمليّة التّغيير. وهو الّذي يحمي السّائل والنّاقد والمجدّد من الرّفض والقمع وترك نتائج بحثه، بل يستثمرها لتطوير المجموعة والفرد.
هذا المجتمع لابدّ أن يكون متحرّكا قابلا للاختلاف، قابلا لأن يغيّر عاداته بدءا بالأفكار وصولا إلى الممارسات. كلّ ذلك في إطار تراكم معرفيّ وإنتاج علميّ على السّبيل الأوّل للتّغيير الّذي ذكره هذا البحث، وهو السّؤال الجادّ الدّافع إلى التّقدّم ووضع نهاية لمجرّد غلق الملفّات دونما تدقيق.
لذلك يتراءى هذا المجتمع القويّ قادرا على الثّبات ومواجهة مختلف الصّعوبات، بما فيها حتّى سقوط النّظام السّياسيّ، وهو الوحيد الضّامن لبقاء الدّولة والأفراد في حالة من الانسجام.
غير أنّ أسئلة اخرى أيضا ستقود إلى إرساء هذا المجتمع بداية من نوعية مكوّناته؟ هل هم أفراد ومنظّمات متشابهة أم مختلفة؟ وما هي حدود الاختلاف بينهم؟ وباختصار أيّ عقد مجتمعيّ يربط مكوّناته؟
يتفاعل المجتمع مع إفرازات أفراده إيجابيّها وسلبيّها من ناحية، والدّور الّذي تلعبه الدّولة بالتّشجيع أو القمع من ناحية أخرى. وهو في ذلك إمّا متماسك فداعم لحراك التّغيير المطلوب للوصول إلى الآفاق المرجوّة، أو هو مغرق في رفض الجديد والإصلاحيّ. يجعله هكذا أو كذلك مدى نجاح نشطاءه أفرادا وجماعات في الوقوف بثبات وتحدّ من أجل قضاياهم، ويمكن في حالات القمع والرّفض الحديث حتّى عن ضحايا وثورة بأتمّ معنى الكلمة.
إنّ التّغيير المنشود سيقف بالتّأكيد في وجه مشاكل المجتمعات العربيّة، وبعضها ليس كلّها الجمود والاقتصار على أقوال القدماء وانتشار العادات السّيّئة كالكسل والتّواكل مثلا، ووجود بعض الآفات كالعنصريّة والجهويّة والطّائفيّة. وكلّها يستند إمّا لموروث يقدّس زورا أو لقراءات دينيّة خاطئة أو على الأقلّ لأخطاء فرديّة سرعان ما تعمّم.
قد يكون للدّولة السّلطويّة أيضا دور في تعزيز بعض السّلبيّات كخوف النّاس من الخوض في عدّة مجالات تحتكرها الدّولة أو عجزهم عن طرح مبادرات خشية القمع في ظلّ الأنظمة الدّكتاتوريّة.
إذن يكفي للمجتمع أن يعزّز التّسامح بين مكوّناته ويبدأ في إجلاء طبقة الجمود المسيطرة عليه، وأن يقبل النّقد من داخله خاصّة حتّى يتقدّم، ولا يخشى المقارنة مع مجتمعات أفضل وأثرى وأكثر حركيّة، لأنّه في صالحه رغم صعوبة المهمّة.

هل يحدث التّغيير مع هذه الصّعوبات؟
إنّ بعض ما دُوّن أعلاه يصل بنا إلى أوّل سبيل وهو الشّروع في تصفية وتنقية عالم الأفكارمن آفاته. فينقّى الدّين والمجتمع والدّولة ممّا لحقهم من تشويه من أهلهم قبل خصومهم، وهو ليس عملا هيّنا. فقد يحتاج جهد الآلاف ومن الزّمن السّنين الطّويلة.
حتّى يتّضح بذلك الأفق في أنّ الإسلام مثلا كانت قيمه الكبرى ومقاصده العليا سببا في إلحاق بعض القبائل الفقيرة في الصّحراء قليلة العدد قليلة العدّة بركب الحضارة العالميّ، بل وقيادته لقرون. فكيف والعرب اليوم أغنياء منفتحون يحضون بكلّ الفرص للالتحاق، وما الأمم المجاورة عنهم ببعيد (إيران أو تركيا مثلا).
ولابدّ لذا كلّه من شجاعة متناهية فالمواجهة لن تكون فقط مع التّاريخ والعلم، بل مع الواقع بمؤسّساته الرّسميّة وغير الرّسميّة والّتي قد لن تقبل انطلاق حركة تحرّريّة من إسار أغلال التّقليد الأعمى والدّغمائيّة والعلوم المزيّفة والمتناقضة. فهي ونسختها من الأفكار والممارسات في علاقة جدليّة، فكلاهما يحمي الآخر. ولن يتخلّى أحدهما عن الآخر ببساطة.
وستتوسّع رقعة المواجهة حتّى تصل إلى الدّولة ومؤسّساتها، ويمكن حتّى الحديث عن الثّورة بمعناها السّياسيّ، فإنّ المنتقد أو من يحاول التّصحيح سيلاقي بالضّرورة الرّفض من السّلطة، وقد تقمعه..
ويبدو أنّ لدى بعض نخب العرب وعيا أنّ موروثهم لابدّ أن يغربل فيتخلّص من الزّوائد كالاجتهادات الخاطئة والاستثناءات والمدسوسات، حتّى ينجحوا في التّفرقة بين فقه زمان ما وما يجب أن يبقى منه كمنطقه وطرق الاستدلال وأدوات البحث، وبين مجرّد النّتائج الّتي توصّل إليها سابقوهم ولم يلزموهم بالضّرورة بتقليدها حرفيّا. غير أنّ هذا الوعي يقابل بعجز عن الحركة في فضاءات الاجتهاد لسببين اثنين على الأقلّ: رهاب المجتمع ورهاب الدّولة. وهو ما يعترض جلّ المجدّدين وأصحاب النّظريّات المعاصرة أو الاستشرافيّة في كلّ المجتمعات الرّاكدة.
غير أنّ ذلك كلّه لو يبدأ في إطار عمل مجتمعيّ أهليّ بحت في أقلّ المستويات، يتصدّر للبحث والتّغيير ونشر الأفكار الإيجابيّة عبر مختلف وسائل التّواصل، دون إعلان صدام بالضّرورة مع القديم، فسيصل بالتّأكيد إلى إثبات التّغيير بهدوء. وهكذا ينسّب شكل عمله حتّى يصل التّغيير إلى المؤسّسات الرّسميّة في الدّول الدّيمقراطيّة.
التّغيير ممكن، يتطلّب أفرادا مؤمنين به، يقول المختصّون أنّ نسبتهم لابدّ أن لا تقلّ عن 1%، ولابدّ أن يتطرّق إلى القضايا الأخطر، ويتحلّى العاملون عليه بالشّجاعة والحكمة. والزّمن الآن كفيل بالانتقال من السّبل إلى الآفاق.