التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أوروبا واردوغان.. صعود التخلّف ضدّ لحاق المتخلّف!

أوروبا التي نتعلم منها الديمقراطية واحترام حقوق الغير الخاصة والعامة، لديها مشاكل داخلية ليس أولها بالتأكيد المسائل الإيديولوجية والدينية ولا العرقيّة، بل هي غالبا آخرها.. لأنّه من المفروض أن قيم أوروبا وقوانينها حسمت كلّ هذه الإشكاليات القديمة بالعلمانية والحرية.. بل هي من المفروض مشاكلنا نحن متخلفي العالم الثالث، برابرة الزمان الذين لم نتخلص من هوياتنا القديمة بعد، كما ترانا أوروبا على الأقل..
لكن ظنّي هذا في واد وسلوك أوروبا منذ فترة ليست بالقصيرة في واد ثان.. فأوروبا التي تهددها بالانفصال والنهاية كوحدة قوية في العالم أفكار عنصرية لدى مارين لوبان وغيرها من اليمينيين المتطرفين، وأوروبا التي يفترض أنها مشغولة بنتائج بريكسيت على اقتصادياتها، وأوروبا التي يفترض أنها قبل ذلك كله راعية قيم العلمنة الجالبة للحرية الفكرية والاقتصادية في العالم، أصبحت لا تهتم هذه الأيام سوى بمعارضة اردوغان وتركيا.. ولا شغل لديها إلا سياسته الداخلية التي لم تكن يوما جزءا من سياسة أوروبا، فهي قد رفضته ورفضت بلده داخلها..
 اردوغان زعيم لأمّة تحبّ بلدها حبّا عظيما ولم تنس من حوّلها من امبراطورية الزمان مركز حكم العالم إلى دولة منكفئة ضمن هوية مختزلة في اللسان التركي الذي تغيرت حتى حروفه وكتابته وضمن علمانية فرضت فرضا.. ورغم ذلك فإنّ اردوغان جاء من داخل هذه الهوية التي رضيتها أوروبا لتركيا ليعيد إحياء الفكرة بغض النظر عن الأشكال.. وإذا كان الرئيس قد أراد إحياء الفكرة من أجل بلده فهو لم يكن بالضرورة معاديا لأوروبا، بدليل محاولته طيلة ما لا يقل عن عقد من الزمان الانضمام لأوروبا.. غير أن أوروبا لم تر فيه إلا خصما كما كانت دائما ترى أيّ مسلم وطنيّ.
 أروربا ليس لديها مشكل سوى مع الحجاب في فرنسا والأقليات المسلمة وهي ليست أكثر تطرفا من الأقليات المتدينة مسيحية كانوا أو هندوسية أو يهودية..
 أوروبا منزعجة من نتيجة وجود عرب ومسلمين داخلها وهي التي جلبتهم عمالا كالعبيد لديها منذ عشرات السنين بعد أن احتلت بلدانهم..
 أوروبا قلقة من المسلمين ومن أي أمر يخصهم وهي على وشك الانهيار بسبب الأوروبيين وأفكارهم وأفعالهم وساسة أوروبا المتطرفين وليس بسبب الأقليات المسلمة ولا بسبب تركيا..
 أوروبا لم تتعلم أن تتصالح مع قيمها وأن تكون علمانية حقيقية متحررة من إرث ديني متطرف ولا دول تعايش وانفتاح وليبرالية متحررة من إرثها الاستعماري..
أوروبا اليوم مثال عن صعود التخلف ضدّ لحاق المتخلّف..
 صعود للتخلف الأوروبي الذي ظنناه انتهى لمواجهة لحاق من كان متخلفا من مسلمين وعرب وأقليات ظلمتها أوروبا قديما..
 هذا العالم لا يريد إلا الاستعمار والاحتلال والقتل لكل من لكم يكن أبيض مسيحيا أو يهوديا.. أما البقية فلا حظّ لهم..
 عزيزتي أوروبا.. المتخلّف يصعد الآن ويلحق إمّا باندماجه داخلك ونجاحه في أن يكون مؤثرا عليك.. والجاليات المسلمة داخلك أكبر دليل؛ أو بصعود أمم إسلامية وفي مقدمتها تركيا.. وليصعد تخلّفك اليميني من جديد.. ولننظر إلى ماذا سيؤول الأمر..